الخطيب الشربيني
305
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بما هو لكم كالجبلة تَعْمَلُونَ أي : بكل جزء منه بما برز إلى الخارج ، وبما كان في جبلاتكم ولو بقيتم لفعلتموه ليجازيكم . [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 9 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي : أقروا بألسنتهم بالإيمان إِذا نُودِيَ أي : من أي مناد كان من أهل النداء لِلصَّلاةِ أي : صلاة الجمعة مِنْ أي : في يَوْمِ الْجُمُعَةِ كقوله تعالى : أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [ فاطر : 40 ] أي : في الأرض ، والمراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة ، لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نداء سواه ، كان إذا جلس رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على المنبر أذن بلال ، وعن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الدور ، زاد في رواية فثبت الأمر على ذلك . وعن أبي داود قال : كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا جلس يوم الجمعة على المنبر على باب المسجد ، روي أنه كان لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد ، فإذا نزل أقام الصلاة ، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على ذلك حتى إذا كان عثمان ، وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذانا آخر ، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء ، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن الأذان الثاني الذي كان على زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا نزل أقام الصلاة ، فلم يعب ذلك عليه لقوله صلى اللّه عليه وسلم « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » « 1 » . قال الماوردي : أما الأذان الأول فمحدث فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها ، وكان عمر أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن سوقهم ، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد فجعله عثمان أذانين في المسجد . قال ابن العربي : وفي الحديث الصحيح : « أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم واحدا ، فلما كان زمن عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء » « 2 » ، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « بين كل إذانين صلاة لمن شاء » « 3 » يعني : الأذان والإقامة ، وتوهم بعض الناس أنه أذان أصلي فجعلوا
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة حديث 4607 ، والترمذي في العلم حديث 2676 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 42 ، والدارمي في المقدمة حديث 95 ، وأحمد في المسند 4 / 126 ، 127 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجمعة حديث 912 ، والترمذي في الجمعة حديث 516 ، والنسائي في الجمعة حديث 1392 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأذان حديث 627 ، ومسلم في المسافرين حديث 838 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1283 والترمذي في الصلاة حديث 185 ، والنسائي في الأذان حديث 681 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1162 .